فخر الدين الرازي

243

المطالب العالية من العلم الإلهي

واعلم : أن هذا الذي بينه صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه في هذا الخبر معلوم الصحة بالبراهين اليقينية العقلية . وذلك لأن أفعال الجوارح لا تصدر إلا عند الدواعي والصوارف في القلوب . فرجحان الفعل موقوف على حصول داعية الفعل ، ورجحان الترك موقوف على عدم حصول تلك الداعية ، لأن علة العدم : عدم العلة . فالقلب كالشئ الموصوف بين حصول تلك الداعية واللاحصول لها . فإن حصلت داعية الفعل ، حصل الفعل . وإن لم تحصل تلك الداعية ، لم يحصل ذلك الفعل . فصاحب الشريعة ، عبر « 1 » عن حصول هذه الداعية وعدم حصولها بالإصبعين ، لما ثبت أن حصول تلك الداعية ليس إلا باللّه تعالى . وإلا لزم التسلسل . وكما ثبت هذا المعنى بهذا البرهان العقلي ، وبهذا الخبر الذي رويناه ، ثبت أيضا بنص القرآن . وهو قوله تعالى : وَاعْلَمُوا : أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ « 2 » . ومن تأمل في هذه البراهين العقلية ، وضم إليها هذه الآيات ، وهذا الخبر خاصة ، ورجع إلى نفسه : لم يبق في قلبه شك في صحة مذهبنا . ولكن ذلك إنما يسهل على من سهله اللّه عليه . الحجة التاسعة والعشرون : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ألا أعلمك كلمة من تحت العرش [ كنز « 3 » ] من كنوز الجنة : لا قوة إلا باللّه . يقول اللّه : « أسلم عبدي واستسلم » وجه الاستدلال به : إن القدرة بالنسبة إلى الفعل أو إلى الترك ، على السوية . وما دام تبقى القدرة على هذا الاستواء ، امتنع صدور الفعل . فإذا رجح جانب الفعل على جانب الترك بتحصيل الدواعي وإزالة الصوارف ، فحينئذ يحصل الفعل . وهذه التقوية هي المشار إليها بقوله : « لا حول ولا قوة إلا باللّه » ولما كان الإيمان لا يتم ولا يكتمل إلا به ، لا جرم زعم أنه من تحت العرش ، ومن كنز الجنة .

--> ( 1 ) غير ( م ) . ( 2 ) سورة الأنفال ، آية ؛ 24 . ( 3 ) من ( ط ، ل ) .